مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

الفصل الثاني .. النيل بحكم المحكم

سهل من ضمن السهول الخضراء اليانعة على النيل الأزرق

د. وائل رشدي سليمان
المدير السابق للمكتب الوطني
لمبادرة حوض النيل في مصر

إن النيل باعتباره نهراً دولياً يخضع بطبيعة الحال للقواعد العامة للقانون الدولي بشأن استخدام وإدارة الأنهار الدولية. وقد أقرت جمعية القانون الدولي في عام 1966 ما يسمي بقواعد هلسنكي لاستغلال وإدارة الأنهار الدولية وحل المنازعات بين الدول المنتفعة في غياب إتفاقيات محددة أو سوابق خاصة حول استعمال النهر الدولي. وتشمل قواعد هلسنكي مبادئ أساسية تنص علي عدالة التوزيع وهي لا تعني توزيع المياه بنسب متساوية وانما بنسب عادلة تأخذ في إعتبارها طبوغرافية الحوض والظروف المناخية المحيطة بالنهر بصفة عامة وسوابق استعمال مياه الحوض والاحتياجات الإقتصادية والإجتماعية لدول الحوض وذلك فضلاً عن العنصر السكاني والتكاليف المقارنه للوسائل البديلة لسد الإحتياجات المائية لكل دولة ثم مدي توافر مصادر بديلة للمياه. كما تنص علي ضرورة تفادي الإسراف الغير ضروري والضرر غير الحتمي علي الدول الأخري المنتفعة.

وليس معني ذلك ان حوض النيل لا تحكمه اتفاقيات أو معاهدات خاصة به. بل علي العكس فقد تم توقيع عشر اتفاقيات وبروتوكولات تشكل إطاراً لحقوق وواجبات دول الحوض بشأن نظام النهر. فقد خضعت دول حوض النيل للإحتلال من ثلاث قوي اوروبية (بريطانيا بلجيكا إيطاليا) خلال القرن التاسع عشر وحتي منتصف القرن العشرين. وفي هذه الفترة حرصت بريطانيا أقوي الدول المستعمرة وأكثرها نفوذاً علي تأمين وصول مياه النيل لمصر والسودان اللتان كانتا تمدان مصانع مانشستر بأصناف القطن الفاخر طويل التيلة. وأتخذت تلك الإرتباطات القانونية أشكالاً عدة من مذكرات تفاهم إلي بروتوكلات عامة كانت المياه إحدي بنودها إلي إتفاقيات قانونية متكاملة. وكان أول تلك التفاهمات القانونية ذلك البروتوكول الموقع بين بريطانيا وإيطاليا منذ مائة وعشرة أعوام وتحديداً في عام 1981 لتحديد مناطق نفوذ كل منهما في شرق إفريقيا ونصت مادة منه علي تعهد إيطاليا (التي كانت تحتل إريتريا في هذا الوقت) بألا تقيم علي نهر عطبرة أية إنشاءات للري قد تؤثر تأثيراً محسوساً علي كمية مياه نهر عطبرة التي تصب في النيل.

وتتابعت المعاهدات والإتفاقيات ما بين بريطانيا من جهة وبين ملك بلجيكا (المسئول عن حكومة الكونجو المستقلة) عام 1894 والمعدل في عام 1906 ثم مع إمبراطور الحبشه عام 1902 ثم مع إيطاليا مرة أخري عام 1925. ثم يظهر إسم مصر لأول مرة بعد إستقلالها عام 1922 في الإتفاقية الموقعة عام 1929 بين مصر وبريطانيا (نيابة عن كينيا وتنزانيا وأوغندا) وأخيراً تلك الموقعة بين بريطانيا (نيابة عن تنزانيا) وبلجيكا (نيابة عن رواندا وبوروندي) بشأن نهر كاجيرا أحد روافد بحيرة فيكتوريا. وانصبت تلك الإتفاقيات والبروتوكولات والتفاهمات علي نفس المعني الموجود في البروتوكول الأول وهو عدم اقامة أية منشآت تؤثر علي كمية المياه التي تصب في النيل بصورة أو بأخري. كما نصت بعضها صراحة علي ضرورة إخطار دولة المنبع لدولة المصب ستة أشهر قبل إقامة أي منشأ علي النيل ويكون من حق دولة المصب الإعتراض علي ذلك المنشأ خلال تلك الفترة.

فى أوغندا - شلالات كاروما النابعة من بحيرة فيكتوريا

ووُقعت تلك الإتفاقيات في أُطر عامة مطلقة كما أسلفنا لا تشير من قريب أو بعيد إلي كميات او حصص لتقسيم المياه. واستخدمت فيها بريطانيا الدولة العظمي الأولي في العالم آنذاك نفوذها القوي لحماية سريان المياه في نهر النيل ومنع كائناً من كان من مس ذلك السريان بالنقص او التأخير. وجدير بالذكر أن توقيع جُل هذه الإتفاقيات تم في ظل معرفة محدودة جداً بهيدرولوجية النهر وعلاقة أحباسه المختلفة ببعضها البعض. وقد تزامن هذا السعي الحثيث لحماية مياه النهر مع سباق مع الزمن لدراسة هيدرولوجية النهر وعمل قياسات لكل عناصرة بداية من حساب كمية الأمطار التي تصب علي دول الحوض مروراً بالتصرفات المختلفة للروافد العديدة مع إنشاء محطات للقياس علي كافة مجاري النهر حتي اكتمل ذلك العمل في أربعينات القرن العشرين بموسوعة حوض النيل التي اجتهد في إتمامها ثلاثة من كبار رجال وزارة الأشغال العمومية المصرية (وزارة الري حالياً) هم هيرست وبلاك وسميكه والاخير مهندس مصري عمل في أحباس النهر لعشرات السنين متنقلاً بين روافده العديدة وأحباسه المختلفة هو والخبيرين الإنجليزيين الذان كانا من مفتشي الوزارة. وكان من نتيجة ذلك التطور في قياس التصرفات والإيراد النهري بدقة علي مدي ستون عاماً أن تم توقيع أهم ثلاث إتفاقيات علي نهر النيل ضمت لأول مرة تقسيماً للإيراد المائي بين بعض دول الحوض. وهذه الإتفاقيات هي كالتالي:

1. إتفاقية 1929 والتي وقعت بين مصر من جهة وبريطانيا من جهة أخري بعد قيام بريطانيا ببناء خزان سنار علي النيل الأزرق لتوفير المياه لري مشروع الجزيرة بالسودان وإعتراض مصر علي انشاء هذا الخزان دون مشورتها. وفي هذه الإتفاقية تظهر حصص المياه للمره الأولي حيث تم الإتفاق علي تقسيم الإيراد المائي عند أسوان والمقدر بأربعة وثمانين (84) مليار متر مكعب من المياه يذهب منها 32 ملياراً للبحر خلال العام وبصفة أساسية أثناء الفيضان وتقسم الأثنان وخمسون ملياراً الباقية فتحصل مصر علي 48 ملياراً والسودان علي أربعة مليارات. وقد راعي هذا التقسيم إعتماد مصر كلية علي مياه النيل في حين إعتماد السودان جزئياً فقط علي هذه المياه حيث تهطل الأمطار لفترات طويلة علي مناطق التنمية المقترحة وتستخدم مياه الري فقط في فصل الجفاف. كما أعطت الإتفاقية لمصر الحق في بناء خزان جبل الأولياء علي النيل الأبيض لتخزين المياه وإطلاقها خلال فصل الشتاء حيث ينخفض إيراد النهر وذلك لري الزراعات الشتوية بمصر. كما نصت الإتفاقية علي أن تقل تلك الحصص في حالة حدوث فيضان منخفض بنفس نسبة النقص.

2. الإتفاقية الثانيه كانت بين مصر من جهة وبريطانيا أيضاً من الجهة الأخري عام 1953 وذلك لمشاركة مصر في إنشاء خزان أوين علي مخرج بحيرة فيكتوريا لتوليد الكهرباء لمصلحة أوغندا وكينيا وتنزانيا. وقد تم بناء علي طلب مصر ومشاركتها في تكاليف الإنشاء رفع مستوي السد حتي يتمكن من حجز كمية أكبر من المياه خلفه لإطلاقها خلال فصل الشتاء لاستخدامها في الري في مصر (كما هو الحال مع خزان جبل الأولياء المشار إليه سابقاً). وجدير بالذكر أن مصر دفعت تعويضات تقدر بحوالي مليون جنية استرليني وهو مبلغ ضخم جداً بمعايير ذلك الزمان لتعويض المواطنين الأوغنديين الذين غمرت المياه أراضيهم نتيجة رفع مستوي السد. وقد عاودت مصر وأوغندا (بعد إستقلال الأخيرة) التفاوض حول تلك الإتفاقية في مطلع تسعينيات القرن العشرين وتم توقيع إتفاقية جديدة في عام 1994 تسمح لأوغندا ببناء محطة ثانية علي مخرج بحيرة فيكتوريا لتوليد الكهرباء أقرت فيها أوغندا بإتفاقية 1953 ونسخها باتفاقية 1994 وفيها تعهدت أوغندا بضمان تدفق مياه النيل طبقاً لجدول تصرفات يومي يساوي التصرف الطبيعي لنيل فيكتوريا.

3. أما أهم الإتفاقيات قاطبة فكانت إتفاقية عام 1959 الموقعة بين مصر والسودان والتي اتفقت فيها الدولتين علي بناء مصر للسد العالي واقتسام منافعه المائية. فنصت الإتفاقية علي تقسيم الإثنين وثلاثين مليارمتر مكعب من المياه التي كانت تذهب للبحر بعد خصم كمية البخر السنوي من سطح بحيرة السد (بحيرة ناصر في مصر وبحيرة النوبه في السودان) والتي قدرت بعشرة مليارات متر مكعب من المياه ويتبقي اثنان وعشرون مليار متر مكعب تحصل السودان منها عي نصيب الأسد وهو 14.5 مليار متر مكعب بالإضافة لحصتها المقرره طبقاً لإتفاقية 1929 فتحصل علي حصه إجماليه مقدارها 18.5 مليار متر مكعب سنويا (تكافئ 20.5 مليار متر مكعب في أماكن الأستغلال في الأحباس العليا في السودان حيث يحدث السحب من النهر قبل حدوث الفقد الطبيعي). وتحصل مصر علي 7.5 مليار متر مكعب بالإضافة لحصتها المقرره بإتفاقية 1929 لتصل حصتها السنوية إلي 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتذهب أي زيادة في إيراد النهر عن المتوسط السنوي للتخزين في بحيرة السد لإستخدامها في السنوات العجاف.

بحيرة فيكتوريا من الجانب التنزانى

ويتسائل الكثيرين عن كيفية إدارة هذه الحصص وكيف تحصل السودان علي حصتها عند أسوان؟ وهو أمر صعب تصوره لغير المتخصصين. ولذلك سنضرب أمثله عددية لتسهيل المسألة:

سنة متوسطة الفيضان يقدر فيها الإيراد المائي عند أسوان ب 84 مليار متر مكعب: تقوم السودان بسحب وتخزين كميات من المياه في الأحباس العليا تقدر اجماليا بـ 20.5 مليار متر مكعب ( مقدره ب 18.5 مليار عند أسوان) في خزانات الروصيرص وسنار وجبل الأولياء (الذي تنازلت عنه مصر للسودان طبقاً لاتفاقيه 1959) وخشم القربه ومروي (الذي تم إنشاؤه طبقا للاتفاقيه ايضاً) وأي خزانات تُنشأ مستقبلاً. وفي هذه الحالة يصل عند بحيرة السد 65.5 مليار متر مكعب من المياه يذهب منها عشرة مليارات بالبخر من سطح البحيرة ويتبقي 55.5 مليار متر مكعب تستخدمها مصر في الأنشطة المائيه المختلفة.

سنة ذات فيضان مرتفع يقدر فيها الإيراد المائي عند أسوان ب 90 مليار متر مكعب: تقوم السودان بسحب وتخزين كميات من المياه في الأحباس العليا تقدر اجماليا ب 20.5 مليار متر مكعب ويصل لبحيرة السد 71.5 مليار متر مكعب يفقد منها عشرة مليارات بالبخر وتسحب مصر 55.5 مليار ويتبقي ستة مليارات تبقي في بحيرة السد كمخزون إستراتيجي للدولتين.

سنة ذات فيضان منخفض يقدر فيها الإيراد المائي عند أسوان ب 79 مليار متر مكعب: تقوم السودان بسحب وتخزين كميات من المياه في الأحباس العليا تقدر اجماليا ب 20.5 مليار متر مكعب ويصل لبحيرة السد 60.5 مليار متر مكعب يفقد منها عشرة مليارات بالبخر وتسحب مصر 50.5 مليار بالإضافة إلي خمسة مليارات من المخزون الإستراتيجي بالسد بإجمالي 55.5 مليار متر مكعب.

وهنا نري الفائدة العظمي لمصر والسودان من هذه الإتفاقية ومن السد العالي حيث لا تقتصر الفائدة علي زيادة كميات المياه التي تتوفر للإستخدام التنموي في البلدين بل تتعدي ذلك إلي ضمان توافر تلك الكميات حتي في السنوات شحيحة الإيراد لقدرة السد العالي علي التخزين لعدة سنوات بحيث لا تتأثر الدولتان بتذبذب مستوي الفيضان من عام لآخر.

بالإضافة لما سبق يجب أيضاً ملاحظة التالي:

1. لا يوجد أي تقسيم لموارد نهر النيل (حصص) بين دول الحوض كافة. وكل ما هنالك هو تقسيم لما يتبقي من هذه المياه التي تهطل علي الحوض ويصل إلي الأحباس السفلي من النهر لاقتسامه بين آخر دولتين في الحوض (مصر والسودان).

2. لا تمنع الإتفاقيات الموقعة بخصوص نهر النيل الإستخدام المحلي لموارد النهر المائيه من خلال الزراعات المطريه والأعمال المحدودة لحصاد الأمطار بغرض الري التكميلي خلال فصول الجفاف وهو ما قد يؤدي إلي نقص او زيادة في إيراد النهر.

3. الإتفاقيات الموقعة بين دولتي المصب (مصر والسودان) لإقتسام الايراد المائي عند أسوان غير ملزمة لدول الحوض الأخري. بل علي العكس نصت إتفاقية 1959 علي أنه في حالة الإتفاق مع أي من دول المنابع علي مشروعات من شأنها تقليل الإيراد النهري المتوسط فإنه يتم إقتطاع ذلك النقص مناصفة من حصتي الدولتين المقرره في إتفاقية 1959.

4. الاتفاقيات وغيرها من التفاهمات القانونية وإن كانت موقعة في زمن الإستعمار إلا إنها ملزمة للدول المستقلة طبقاً لميثاق منظمة الوحدة الإفريقية الذي وقعته جميع دول الحوض. كما ان توقيع هذه الإتفاقيات في زمن الإستعمار لا يعفي الدول المستقلة من إلتزاماتها وذلك طبقاً لإتفاقية فيينا لسنة 1978 بشأن التوارث الدولي والمعاهدات والتي نصت علي أن المعاهدات الخاصة بتحديد ورسم الحدود الدولية او بالوضع الإقليمي والجغرافي لاينال منها او يمسها التوارث الدولي.

5. أنه توجد إتفاقيتان وقعتهم دولتان مستقلتان من دول المنابع وهي:

a. المعاهدة الموقعة عام 1902 بنين بريطانيا وإثيوبيا التي كانت دولة مستقلة آنذاك والتي يتعهد فيها الإمبراطور مينليك الثاني ملك ملوك إثيوبيا بألا ينشئ أو يسمح بإقامة أي عمل علي النيل الأزرق او بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنه تعطيل سريان مياهها إلي نهر النيل إلا بالاتفاق مع حكومة بريطانيا وحكومة السودان المصري البريطاني.

b. أما الأخري فتلك الموقعة عام 1994 بين أوغندا ومصر التي ذكرناها سابقاً.
وهاتين الإتفاقيتين علي جانب كبير من الأهمية القانونية حيث أن أوغنداً هي دولة المصب لحوض النيل الإستوائي الذي ذكرناه في الفصل الأول وإثيوبيا هي دولة المنبع الأساسية للنيل الشرقي. وهذا في حد ذاته ينقض إعتراضات تلك الدولتان بأن إتفاقيات مياه النيل وقعت تحت الإحتلال ومحاولة تلك الدول التملص من هذه الإتفاقيات تحت زعم عدم مسئوليتها القانونية عن اتفاقيات وقعتها الدول الإستعمارية.

في الخلاصة نؤكد أن الموقف التفاوضي المصري قوي جداً من الناحية القانونية. وهو نفس رأي القانوني المصري العظيم الراحل الدكتور/ صلاح عامر وغيره من أساتذة القانون الدولي.

ولكن هل القضية في الموقف القانوني والفني فقط؟ أم هي قضية تنمية ومستقبل شعوب دول الحوض؟ ولكن لذلك حديث آخر في الفصل الرابع والأخير.

الفصل الأول .. النيل ليس نهراً واحداً
الفصل الثاني .. النيل بحكم المحكم
الفصل الثالث.. حديث المبادرة
الفصل الرابع .. النيل الفرص والمحاذير

موضوعات ذات الصلة

ثقافة الهزيمة .. موسم الهجرة إلى الجنوب
ثقافة الهزيمة .. السودان أرض مصرية
سوار الذهب أتمنى أن تزول الحدود بين مصر و السودان
القدس وبغداد والنيل بعد الفرات والقادم ..عطش!!
أهرامات السودان ..التاريخ المهمل عمدا

مصر تعتزم زراعة القمح في أوغندا
حكاية نهر النيل


06/11/2014

مصرنا

 

 


 

 
 



مطبوعة تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

 
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


رؤساء مصر
من نحن
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع


الصفحة الرئيسية